أكرم إمام أوغلو، أنا، والخروج من الجنة

جدول المحتويات

الحديث هنا ليس عن الكباب التركي أو حلويات الحلقوم والبقلاوة، ليس للحديث أيضاً عن تجربة المناطيد الهوائية في كابادوكيا أو أوزنجول في طرابزون، ولا عن معجزات أسماك إبراهيم في أورفا. رغم السنوات الخمس التي أمضيتها كمقيمة سياحية في تركيا، إلا أن تجربتي تختلف عن هذا تماماً.

ولكن قبل البدء في هذا كله، دعوني أؤكد على ما هو معروف عن هذا البلد. وفقاً للثقافة المحلية التي نشأت ضمنها، إذ لا يختلف معي الكثيرون من أبناء جلدتي الفلسطينيين أن تركيا هي جنة الله على الأرض.

وكما أن الجنة الإلهية لها شروط دخول، فالحال كذلك مع هذه الجنة الأرضية. بالرغم من ولادتي كلاجئة فلسطينية — وهي صفة اشترك بها معي عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا — إلا أن تمتعي بجواز سفر أردني كان مفتاحي إلى دخول هذه الجنة، وهكذا عرفت القهوة التركية في مقاهي بلاط متفوقةً على غيري ممن لم يعرفها سوى بواسطة ما تصدره الدراما التركية المدبلجة عربياً بلهجة سورية.

في المرات التي أعود فيها إلى مخيمي، يستجوبني الكثير من الأطفال عن تجربتي هناك؛ وأكثر سؤال يتكرر هو: هل قابلتِ أرطغرل؟

في الجنة

أحاول أن أشرح لهم أن إسطنبول وحدها كبيرة جداً، وأنني أعيش في غرفة صغيرة جداً ضمن مجمع سكني للبنات في حي مزدحم بمنطقة الفاتح، وأن هذا الجزء من تركيا لا علاقة له بالتلفاز إلا من خلال نشرات أخبار الحوادث (سيكون الوضع أسوأ بكثير لو أني كنت أسكن في اسنيورت). يسألونني بعدها: لماذا لا تذهبين لمقابلته، أي (ارطغرل)؟

محاولة الشرح تنتهي دائماً باعترافي أن أرطغرل هو جاري في الطابق العلوي، وأن انشغاله بعمله في الحروب والفتوحات يجعلنا لا نلتقي إلا بشكل نادر عند مدخل البناء أو المصعد.

ربما يبدو الأمر الآن مضحكاً على بساطته، إلا أنه ليس حقاً بهذه البساطة. أتذكر حالة التشويش التي كنت أعيشها بشكل مكثف خلال فترات إقامتي الأولى في تركيا: عطلة الأسبوع يومي السبت والأحد، والدوام في يوم الجمعة، مما يجعلني أضطر إلى انتظار يوم الاثنين قبل أي عملية تحويل مالي إلى عائلتي لضمان وصولها في اليوم نفسه. لذا الإشكالية لم تكن دينية بقدر ما هي مالية. أتذكر الآن بشكل واضح جداً بعد انتقالي من الفاتح إلى أرناؤوطكوي على ساحل البحر الأسود، وإعادة صياغتي لمفهوم البحر، بعد أن انطبع في خيالي أن البحر هو من ابتلع أجساد من نحبهم أثناء محاولة عبورهم إلى شاطئ الأمان. أخوض معركة في عقلي لطرد صور جثث اللاجئين الطافية وأصواتهم في كل مرة أبلل قدمي على هذا الشاطئ الجميل. كنت فعلياً قد بدأت بالتأقلم مع هذه الجنة، وبدأت أتحدث لغة أهلها بالقدر البسيط، بما يكفيني لأطلب قهوة بدون سكر، وتيريلِتشي بالكراميل.

كنت راضية عن هذا القبول الذي كنت أستشعره حتى من خلال الموظفين العاملين في قهوة البلدية التي أرتادها بشكل يومي، من انتقالهم إلى الضحك على نطقي المغلوط للكلام إلى احترام الجهد الذي أبذله لتعلّم اللغة بعيداً عن المدارس.

وكأن هذا التأقلم لم يكن كافياً بدون أن يتوّج بلقاء رئيس البلدية نفسه، السيد (مصطفى چندار أوغلو). ربما كان يستمتع بمقداري أو أكثر من نصيبه في هذه الجنة. اقتربت من طاولته وهو يشرب القهوة ضمن المقهى نفسه الذي قام بتأسيسه وافتتاحه مؤخراً.

عرّفتُه عن نفسي بما استحفظه من مخزون المفردات التركية والتي أنطقها بشكل خاطئ، لكنه تمكن من فهم أنني فلسطينية، وأنني مستمتعة بالحياة في تركيا. “تشوك تشكر” كنت أرددها كالببغاء بين كل كلمة وأخرى في تأكيد مني على جمال كل الأشياء والتفاصيل حولي.

رغبت أن أثبت كلامي بالدليل القطعي، وأخرجت صورة قديمة من هاتفي تجمعني برئيس بلدية إسطنبول، السيد (أكرم إمام أوغلو). نظر إلى الصورة بتمعن قبل أن يقول لي: “أنا لا أحب هذا الرجل، ولكن هل تعرفين أردوغان؟” أجبته ضاحكة: “أجل أعرفه، ولكن ليس لدي صورة تجمعني فيه.”

اللحظات القصيرة التي أدركت فيها أنني الوحيدة التي أتحدث، بينما أنظار الجميع مسلطة عليّ بنظرات الاتهام، قبل أن يسود صمت ثقيل أتخيله كصمت أهل الجنة حين تم الاقتراب من الشجرة المحرمة رغم تحذيرات الإله، على الرغم من أن أحداً من الحاضرين وقتها لم يكن من الملائكة.

محاولاتي كلها لدرء سُوّأتي أمام القوم عبر التلعثم بكلمات إنجليزية لم تؤدِ إلى أي نتيجة؛ كان الأمر قد تمّ والخطيئة قد وقعت.

في مقهى بلدية ارناؤؤوطكوي

الآن، ومن منفاي خارج الجنة بعيداً عن أي من ثمارها سواء المحللة منها أو المحرمة، من المنصف الحديث عما منحتني إياه بيئتي الجديدة. وضمن ثنائيات الخطيئة والغفران، الطاعة والمعصية، الفوز والخسارة.

اكتسبت مهارة التفاوض مع الأبالسة انفسهم. أتحدث اليوم مع الجميع بثقة أكبر؛ ليس لدي ما أخسر. أعرض مشاريع استثمارية وأقايضها بأرواح من أستطيع إنقاذهم من أهلي في غزة. أتجرأ على تداول صكوك فاوست بدلاً عن العملات الرقمية، وأدفع بالرصيد والسلعة الأكثر توافراً (الإنسان)، ضمن هذا العالم القابل للتسليع بكل ما فيه. بعيداً عن كل ما يجري فوق الطاولة الآن، أنا أسأل كل من سولت له نفسه بتخريب تجارتي: كيف هو السبيل لإتمام هذه الصفقة بعيداً عن خسارة أرواح المرضى من غزة الذين ينتظرون إذن خروجهم للعلاج؟

في المنفى(خارج الجنة)
مواضيع اخرى
Scroll to Top
Please enable JavaScript in your browser to complete this form.