المسرح يستحق أكثر من غبار

جدول المحتويات

بقلم غنى غسان العلي

“مسرح طرطوس القومي- صالة سعد الله ونوس” هذه كانت الكلمات على اللافتة التي علَت بوابة المبنى المفتوحة على مصراعيها، وقد بدا مهجورًا منذُ عقود، خلا حتى من الحرس، لم يكن فيه ما يستحق السرقة على أيِّ حال. لم أجد في استقبالي في الداخل سوى أبوابٍ عابسةٍ تُقفلُ صالةَ المسرح، وقد كان ذلك غريبًا، فلسْت أهذي بتذكري رؤية إعلانٍ عن مسرحية في ذلك اليوم، لكن سيصبح الأمر منطقيًا عندما أكتشف أن المسرحية -وبعد منشور رأيٍ لمُؤلِّفَيها- كانت قد مُنعت من العرض من قبل الوزارة المعنية.

في طريق عودتي إلى البيت، فكرت… لمَ؟ لمَ على كلِّ مسرحيةٍ أن تمسح كلَّ هذا الغبار قبل أن تحتلَّ المسرح؟ لمَ طريقها إلى الخشبة معْفرٌ بالغبار؟

هناك غبارٌ على أجهزة الصوت، تلك التي تصدر أصوات فرقعة عالية بما يكفي لتُرعِب جمهورًا لم يعْتَد أصوات الانفجارات حتى بعد كلِّ سنينِ الحرب، أو يمكن لها أن تدخل حلقةَ تغذيةٍ عكسية، فيردُّ المكبِّر صوته الذي نقله اللَّاقط محدثًا صوت صفيرٍ يكفي ليصيبك بالصداع إن لم يفقدك السمع لمدَّة. هناك غبارٌ على أجهزة الإضاءة، نصفها الذي يعمل سيخذلك في منتصف العرض، أو ينهال عليه غبار الطاقة المشغِّلة، فسينقطع التيار الكهربائي رغم كل المحاولات الجاهدة لتفادي فترة التقنين بموعد العرض، فسيكون هناك بالضرورة فترةٌ معتمة صامتة للتبديل إلى المولد، وتتبعها شَخَصاتُ العاملين بالممثلين مصرِّحةً باستعجالهم، تجنبًا لاستهلاك وقودٍ أكثر مما أُخِذ بالحسبان.

هنا… حتى جمهورك عليه غبار، لا تَلُم شعبًا هجر المسرح لاهثًا خلف قوت يومه، لا تلمه إن هجره حتى راكم فيه الغبار، بل نادِه…

نادِه دوماً، نادِه في كل عنوان، نادِه بالذكريات، ذكره بيومٍ كان المسرح فيه فكرةَ سهرةٍ لا تنطوي على أية مظاهر، أو شُدَّهُ بحكاية، تسردُ ما يُحبس من كلامٍ في داخله، وتحبس السجَّان، واحكيها بأغنية يحبها، أو جملة يُعيدها، اهمس بقربه، ونادِه لمكان يمكن أن تنتهي فيه “حلقات التغذية العكسية”.

 

نادِه بجيبٍ فارِغٍ كجيبه، امتَلأ بالغبار، فالمسرح للفقراء، وهذا شعبٌ فقير، يُحبُّ ليعيش، هنا… يحملُ شغف المسرح المسرحيِّين على أن يُحرِّروا أرواحهم على المسرح مفتوحًا للناس، بلا بطاقاتٍ، ولا ديكور باهظ، ومع صغر الخشبة الذي قد يُضطرَّك أن تختار بين الممثلين والديكور، صنع علي عباس ببعض الأثاث غرفة “لمبة”…”

 وإيڤان نابلسي بالورق والقماش غرفة “حساب”

وببعض الأزياء أخرج رضوان جاموس مظهر الروبوت في “روبوت”

واحتضنوا جميعًا في مقاعد مسرحياتهم الجمهور، وذاتُ الغبار في كل الجيوب.

أما عن منع عرض المسرحية، فقد صدر بيان عن وزارة الثقافة توضح فيه سوء الفهم بأنها لم تمنع عرضها، مسرحية “كل عار وأنتم بخير”، للأخوين ملص، اللاجئين في أوروبا، والعائدَين ليصدحا بنصوصهما من على خشبات البلاد، وأكدَت التزامها الكامل بمبدأ حرية التعبير الفني، على أن يكون هذا لاحةً لمسح الغبار السياسي.

كان شعورٌ بالحسرة… ناعم وقاسٍ يرافق وداعي للمسرح بعد كل عرض، بأمنيات صادقة أن يستفيق الناس من حولي ذات يوم… أن المسرح مكان تدخله فلا تخرج ذات الشخص، وهؤلاء من يُشابكون الأيدي وينحنون للجمهور، يستحقون، ويستحقُّ المسرح أكثر من “غبار”.

 

مواضيع اخرى
Scroll to Top
Please enable JavaScript in your browser to complete this form.